بسماية أمام مفترق طرق.. ماذا يعني انسحاب شركة هانوا من مشروع بسماية ؟ وهل يمكن أن تعود المدينة إلى مسارها الصحيح؟
قال رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار ( عادل الياسري ) في لقاء متلفز على قناة دجلة الفضائية ، برنامج ( المؤشر ) ، ان الشركة الكورية هانوا على وشك الانسحاب و ان عدد المنتسبين في الشركة انخفض من 9 الاف منتسب الى 50 منتسب فقط ، و ذلك بسبب عدم تسديد مستحقاتهم المالية .
الموقف الإداري والرقابي.. مسؤولية لا تحتمل التأجيل
يمثل مشروع مدينة بسماية واحداً من أكبر المشاريع السكنية في العراق، ولذلك فإن أي أزمة تتعلق به لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة إدارية محدودة، بل باعتبارها ملفاً يمس حقوق آلاف المواطنين ومستقبل قطاع الإسكان في البلاد.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التعامل مع الملف بشفافية كاملة، بعيداً عن محاولات التهرب من المسؤولية أو تحميل جهة واحدة كامل تبعات السنوات الماضية. كما أن انتظار نتائج فريق هيئة النزاهة يمثل خطوة مهمة لتحديد مكامن الخلل، ومعرفة المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية المناسبة استناداً إلى نتائج التحقيق والتقارير الرسمية.
فالهدف في النهاية لا ينبغي أن يكون البحث عن طرف لتحميله المسؤولية فقط ، وإنما الوصول إلى صيغة تضمن حماية حقوق المواطنين واستمرار المشروع ومنع تكرار المشكلات نفسها مستقبلاً.
سعر شقق بسماية.. لماذا لا يجب مقارنته بالمجمعات السكنية الفاخرة في بغداد؟
من أكثر النقاط التي تحتاج إلى توضيح مسألة أسعار شقق بسماية ، خصوصاً مع مقارنة البعض بينها وبين أسعار الوحدات السكنية في المجمعات الاستثمارية الراقية داخل بغداد.
يبلغ سعر المتر في مشروع بسماية نحو ( 750 ألف دينار عراقي ) ، وهو سعر صُمم في الأساس ليكون أقرب إلى قدرة الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود ، مع وجود دعم وتدخل حكومي في فلسفة المشروع.
ولهذا السبب ، فإن مقارنة بسماية بالمجمعات السكنية التجارية الفاخرة في بغداد ليست مقارنة دقيقة من الناحية الاقتصادية.
فالمجمع الاستثماري الخاص يحدد سعر وحدته وفق كلفة الأرض والإنشاء والتمويل وهامش الربح وقوة الطلب والموقع والخدمات المقدمة ، بينما يفترض أن يكون مشروع بسماية جزءاً من سياسة إسكانية أوسع هدفها توفير وحدات سكنية بأسعار أكثر قدرة على الوصول إلى المواطن.
بمعنى آخر، شقة بسماية ليست سلعة فاخرة صُممت لتحقيق أعلى ربح ممكن، وإنما مشروع سكني واسع ارتبط منذ البداية بفكرة معالجة أزمة السكن.
كما أن ارتفاع أسعار العقارات في بغداد خلال السنوات الماضية لا يعني بالضرورة أن شقق بسماية يجب أن ترتفع بالوتيرة نفسها؛ لأن رفع السعر بصورة كبيرة قد يؤدي إلى إفراغ المشروع من الغاية التي أُنشئ من أجلها.
التضخم وتأخر الإنجاز.. الخطر الذي يهدد فلسفة المشروع
مع مرور سنوات طويلة على إطلاق المشروع ، تغيرت الظروف الاقتصادية بصورة كبيرة ، ارتفعت أسعار مواد البناء والأجور والخدمات والنقل ، كما تغيرت قيمة العملة والقوة الشرائية للمواطن.
وفي المقابل ، بقي المشروع مطالباً بالحفاظ على فلسفته الأساسية باعتباره مشروعاً سكنياً واسعاً يستهدف شرائح مختلفة من المواطنين.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: ( كلما طال زمن الإنجاز، أصبحت المحافظة على السعر المدعوم أكثر صعوبة ، بينما يصبح المواطن أكثر حاجة إلى السكن وأقل قدرة على تحمل أي زيادات كبيرة في الأسعار ) .
كما أدى التأخير وتراكم الخلافات المالية إلى تهديد الجدوى الاقتصادية للمشروع وإلى خلق حالة من عدم اليقين لدى المواطنين الذين ينتظرون وحداتهم منذ سنوات.
أزمة المستحقات مع هانوا.. أكثر من مجرد خلاف مالي
تعد العلاقة مع الشركة الكورية ( هانوا ) من أكثر الملفات حساسية في مستقبل بسماية.
فالشركة تطالب بمستحقات مالية متأخرة منذ سنوات ، في وقت أصبحت فيه استمرارية العمل مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة الجهات العراقية على معالجة هذه الالتزامات.
وهذه المشكلة لا يمكن اختزالها في كونها فاتورة مالية متأخرة ؛ لأن استمرار الشركة يعني استمرار الخبرات والكوادر والمعدات وسلاسل التوريد والمعامل المرتبطة بالمشروع، بينما يؤدي توقف التمويل إلى تقليص قدرة الشركة على مواصلة العمل.
ولهذا تبرز الحاجة إلى تنسيق جاد بين هيئة الاستثمار ووزارة المالية والجهات الحكومية المعنية، وصولاً إلى قرار مركزي واضح يحدد آلية معالجة المستحقات ومستقبل العقد.
ماذا يعني انسحاب هانوا من بسماية؟
انسحاب الشركة الكورية ، إذا أصبح نهائياً ، سيكون حدثاً كبيراً في تاريخ مشروع بسماية ، لأن القضية لا تتعلق بخروج شركة أجنبية فحسب ، بل بخروج الجهة التي ارتبط اسمها بتنفيذ جزء أساسي من المشروع وبنية العمل فيه.
ومن أبرز المؤشرات المثيرة للقلق الانخفاض الكبير في أعداد كوادر الشركة، من آلاف العاملين في مراحل سابقة إلى أعداد محدودة جداً في الوقت الحالي ، مع تراجع واضح في وجود الكوادر الكورية.
وهذا الانخفاض يعني عملياً أن الشركة أصبحت تعمل في نطاق محدود مقارنة بحجم العمل الذي كانت تقوم به سابقاً.
كما أن وجود معامل ومرافق إنتاجية تابعة للشركة داخل موقع المشروع ، ومنها معامل مرتبطة بإنتاج الأنابيب ومواد أخرى، يجعل عملية الانسحاب أكثر تعقيداً من مجرد مغادرة موظفين للموقع.
التأثير الأول: تباطؤ أو توقف مراحل التنفيذ
في حال انسحاب هانوا من دون انتقال منظم للمهام، فإن المشروع قد يدخل في مرحلة جديدة من التأخير، خصوصاً في الأعمال التي تحتاج إلى خبرة الشركة ومعداتها وشبكة المتعاقدين التابعة لها.
التأثير الثاني: ارتفاع كلفة استكمال المشروع
كل سنة تأخير تعني كلفة إضافية. فأسعار مواد البناء والأجور والطاقة والنقل والخدمات لا تتوقف عن التغير، ما يعني أن استكمال الوحدات المتبقية مستقبلاً قد يكلف الدولة مبالغ أكبر مما كان سيكلفه إنجازها في الوقت المحدد.
التأثير الثالث : فقدان الخبرة المتراكمة
المشروع الضخم لا يعتمد على الإسمنت والحديد فقط، بل يحتاج إلى إدارة هندسية ومعرفة تفصيلية بالمخططات والمواصفات وشبكات البنية التحتية ومراحل التنفيذ.
وخروج الشركة بشكل مفاجئ قد يؤدي إلى فقدان جزء من الخبرة المتراكمة، ما لم يتم تنظيم عملية تسليم شاملة للملفات والمخططات والمعدات والعقود.
التأثير الرابع: اهتزاز ثقة المواطنين
المواطن الذي دفع مبالغ كبيرة وينتظر منزله منذ سنوات لا ينظر إلى الأزمة باعتبارها خلافاً بين شركتين أو جهتين حكوميتين، وإنما باعتبارها قضية مرتبطة بمستقبله وأمواله.
لذلك فإن استمرار الغموض قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالمشروع وبالبرامج الحكومية للإسكان عموماً.
هل يعني انسحاب هانوا نهاية بسماية؟
هذه نقطة مهمة جداً ؛ فانسحاب الشركة ، في حال حدوثه ، لا يعني أن مدينة بسماية ستتوقف أو تتحول إلى مشروع مهجور بصورة حتمية.
السيناريو الأخطر هو أن يحدث الانسحاب من دون خطة انتقال واضحة ، أما إذا اتخذت الحكومة قراراً منظماً بإعادة هيكلة المشروع ، وتسوية الالتزامات ، وحصر الأعمال المنجزة والمتبقية ، ثم اختيار آلية جديدة للتنفيذ ، فإن المشروع يمكن أن يستمر حتى بعد خروج الشركة.
لكن استمرار المشروع بعد هانوا لن يكون سهلاً ؛ إذ يحتاج إلى إدارة انتقالية قوية ، وتقييم فني ومالي شامل ، وتحديد واضح لما تم إنجازه وما تبقى ، ومن يتحمل مسؤولية كل جزء من الأعمال.
ماذا يجب أن يحدث إذا انسحبت هانوا؟
الخطوة الأولى يجب أن تكون ( جرداً فنياً ومالياً شاملاً للمشروع ) ، بحيث يتم تحديد قيمة الأعمال المنجزة ، والأعمال المتبقية، والمعدات الموجودة، والمواد المخزونة، والعقود المبرمة، والمستحقات والالتزامات المتبادلة.
بعد ذلك يمكن للحكومة اختيار أحد مسارين:
الأول، التوصل إلى اتفاق مع الشركة يسمح باستمرارها لفترة انتقالية لاستكمال الأعمال الأساسية وتسليم المشروع بصورة منظمة.
والثاني، في حال تعذر ذلك، الدخول في إعادة هيكلة شاملة تسمح بإكمال المشروع عبر شركات أخرى أو آليات تنفيذ جديدة ، مع الحفاظ قدر الإمكان على الأسعار والحقوق التعاقدية للمواطنين.
الشقق المكتملة السداد.. الأولوية التي لا تحتمل الانتظار
من أكثر الملفات حساسية ملف المواطنين الذين أكملوا سداد قيمة وحداتهم السكنية.
فهؤلاء لا ينبغي أن يتحولوا إلى ضحايا للتعقيدات الإدارية أو المالية بين الجهات الحكومية والشركات المنفذة.
وتوجد مشكلة فنية تتعلق بآلية استلام المباني، إذ تشترط التعليمات في بعض الحالات استلام البناية أو المجمع بصورة متكاملة بدلاً من التعامل مع الشقق بصورة منفردة.
وهنا يمكن التفكير في حلول تنظيمية وفنية تضمن عدم تعطيل حقوق المواطنين بسبب إجراءات يمكن معالجتها ، خصوصاً عندما تكون الوحدة جاهزة أو قريبة من الجاهزية.
لا استثناءات بعد الآن.. المساواة شرط لاستعادة الثقة
من الضروري أن يكون ملف توزيع الوحدات السكنية خاضعاً لقواعد واضحة ومعلنة تنطبق على الجميع.
فإنهاء الاستثناءات، سواء في بسماية أو في أي مشروع سكني حكومي ، لا يحمي حقوق المواطنين فقط، بل يحمي المشروع نفسه من الشبهات ويعيد الثقة بآليات التخصيص.
وكلما كانت المعايير معلنة وقابلة للتدقيق، أصبح من الصعب تحويل المشروع إلى مجال للمحاباة أو التدخلات غير المبررة.
من يدير مدينة تضم نصف مليون نسمة؟
بسماية ليست مجرد مجموعة من الأبنية السكنية.
عند الوصول إلى المستهدف البالغ نحو 100 ألف وحدة سكنية ، ومع افتراض متوسط خمسة أفراد للأسرة، فإن المدينة قد تضم قرابة نصف مليون نسمة.
وهذا الحجم السكاني يجعلها أقرب إلى مدينة متكاملة تحتاج إلى منظومة إدارية وخدمية مستقلة أو مرتبطة بشكل واضح بجهة محلية قادرة على إدارتها.
فالمدينة تحتاج إلى مدارس، ومراكز صحية، وطرق، وتنظيم مروري، وإطفاء، ونظافة، وصرف صحي، ومياه، وكهرباء، وأمن، وخدمات بلدية وغيرها.
ولهذا فإن بقاء إدارة المدينة ضمن جهة اختصاصها الأساسي هو الاستثمار فقط قد لا يكون الحل الأكثر كفاءة على المدى الطويل.
ومن بين الحلول المطروحة ربط المدينة إدارياً بقضاء المدائن أو استحداث وحدة إدارية مستقلة، بما يمنحها قدرة أكبر على التخطيط وتقديم الخدمات.
مستقبل بسماية بعد هانوا.. ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: الانسحاب المنظم وإكمال المشروع ، وهو السيناريو الأفضل في حال تعذر استمرار هانوا.
تتم تسوية الالتزامات، ثم تسليم الملفات والأعمال والمعدات وفق اتفاق واضح، وتبدأ الحكومة بإسناد الأعمال المتبقية إلى شركات أخرى أو تحالفات تنفيذية.
في هذه الحالة يمكن أن يستمر المشروع، لكن مع احتمال ارتفاع الكلفة وامتداد الجدول الزمني.
السيناريو الثاني: استمرار هانوا بعد تسوية مالية
وهذا قد يكون أقل كلفة من الناحية العملية إذا أمكن التوصل إلى اتفاق يضمن دفع المستحقات وجدولة الالتزامات واستعادة الثقة بين الطرفين.
فالشركة تمتلك معرفة متراكمة بالمشروع، واستمرارها قد يقلل من خسائر الانتقال إلى جهة تنفيذ جديدة.
السيناريو الثالث: توقف طويل وإعادة تفاوض شاملة ، وهو السيناريو الأخطر.
إذا لم تحسم المستحقات ولم تتخذ قرارات حكومية واضحة، فقد يدخل المشروع في مرحلة طويلة من المفاوضات والتأجيل، ما يعني ارتفاع الكلفة وتضرر المواطنين وتراجع قيمة المشروع الاقتصادية والاجتماعية.
وهذا السيناريو يجب تجنبه بأي ثمن.
رؤية مستقبلية لـ بسماية .. المدينة لا ينبغي أن تكون رهينة لشركة واحدة
المستقبل الأفضل لبسماية لا يتمثل في استبدال شركة بشركة فقط، وإنما في ( إعادة بناء نموذج إدارة المشروع بالكامل ) .
ينبغي أن يتحول المشروع تدريجياً من ملف سكني مرتبط بعقد وشركة واحدة إلى مدينة متكاملة لها إدارة واضحة، وتمويل مستقر، وخطة زمنية معلنة، وآليات رقابة شفافة.
وفي حال خروج هانوا، يجب أن يكون ذلك بداية لمرحلة جديدة وليس نهاية للمشروع.
يمكن للحكومة أن تستفيد من البنية التحتية التي أنجزت بالفعل، ومن آلاف الوحدات القائمة، ومن الموقع والخدمات التي تم إنشاؤها، ثم تبني عليها خطة استكمال طويلة الأمد.
كما أن وجود مدينة بهذا الحجم يمثل فرصة لإعادة النظر في توزيع الخدمات والأنشطة الاقتصادية داخلها، بحيث لا تبقى بسماية مجرد منطقة نوم تعتمد بالكامل على بغداد، وإنما تتحول تدريجياً إلى مدينة تمتلك أسواقها وخدماتها ومؤسساتها وفرص العمل الخاصة بها.
بسماية.. من مشروع سكني إلى مدينة عراقية متكاملة
المشكلة الحقيقية في بسماية ليست عدد الأبنية فقط ، وإنما غياب الرؤية الطويلة الأمد التي تنظر إلى المدينة باعتبارها تجمعاً سكانياً ضخماً سيحتاج إلى إدارة وخدمات واقتصاد محلي.
ولهذا فإن إنقاذ بسماية يجب أن يتجاوز معالجة المستحقات المالية مع هانوا.
المطلوب هو ( خطة إنقاذ متكاملة ) تتضمن تسوية المستحقات، تحديد مستقبل الشركة المنفذة، حماية حقوق المواطنين، تسريع تسليم الوحدات الجاهزة، استكمال الوحدات المتبقية، وإنشاء إدارة محلية قادرة على إدارة المدينة.
انسحاب هانوا، إذا وقع بصورة نهائية ، سيكون خسارة مهمة من ناحية الخبرة والتنفيذ، لكنه ( لا يجب أن يعني سقوط مشروع بسماية ) .
القرار الأهم هو أن تتعامل الدولة مع المدينة باعتبارها استثماراً اجتماعياً وسكنياً طويل الأمد، وليس مجرد عقد مع شركة أجنبية.
فالمواطن الذي دفع أمواله لا ينتظر تبريراً جديداً للتأخير، وإنما ينتظر منزله. والدولة التي أنفقت مليارات على مشروع بهذا الحجم مطالبة اليوم بتحويله من ملف متعثر إلى مدينة مستقرة وقابلة للحياة.
وبذلك يمكن أن يكون مستقبل بسماية، رغم صعوبة المرحلة، أفضل من حاضرها إذا توفرت الإرادة السياسية والقرار المالي والإدارة المهنية والرقابة الصارمة.
