ليلة الرعب على الحدود.. القصة الكاملة لزلزال حلبجة وكرمانشاه عام 2017
في مساء الأحد 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 ، وعند الساعة 9:18 بالتوقيت المحلي ، شهدت المنطقة الحدودية بين العراق وإيران واحدة من أكثر الليالي رعباً في تاريخها الحديث ؛ إذ ضرب زلزالٌ عنيف بلغت قوته 7.3 درجات على مقياس ريختر المنطقة الواقعة بين محافظة حلبجة العراقية ومحافظة كرمانشاه الإيرانية ، مسجلاً أقوى هزة أرضية تضرب المنطقة خلال قرن كامل.
لم يُخلف الزلزال خسائر بشرية ومادية جسيمة فحسب ، بل أحدث تحولاً جذرياً في نظرة الخبراء والجهات الرسمية لطبيعة النشاط الزلزالي في العراق ، مؤكداً أن البلاد ليست بمنأى عن الكوارث الطبيعية المدمرة.
اللحظات الأولى للزلزال .. كيف بدأت الكارثة؟
لم تسبق الزلزال الرئيسي مؤشرات واضحة لمعظم السكان ، باستثناء هزة تمهيدية بلغت قوتها 4.3 درجات ، رصدتها محطات الرصد وشعر بها سكان المناطق القريبة من مركز الهزة.
وقد دفعت هذه الهزة بعض العائلات لمغادرة منازلها بدافع الحذر، مما أسهم في تقليل حجم الخسائر البشرية في بعض المناطق.
بعد وقت قصير، وقع الزلزال الرئيسي بعنف هائل ، وبدأت الأرض تهتز لعدة ثوانٍ بدت لمن عاشها وكأنها دقائق طويلة. ونظراً لضخامة الزلزال وعمقه ، امتدت موجاته الزلزالية لمسافات شاسعة لتشمل معظم أنحاء العراق ، حيث شعر بها السكان من البصرة جنوباً ، مروراً بالعاصمة بغداد ، وصولاً إلى دهوك في الشمال ، كما امتد تأثيرها إلى دول الجوار؛ إيران، وتركيا، والكويت، والسعودية.
وفي بغداد والمحافظات الوسطى ، سادت حالة من الذعر دفعت آلاف المواطنين إلى مغادرة منازلهم وشققهم السكنية نحو الساحات والشوارع ؛ خشية انهيار المباني أو وقوع هزات ارتدادية أقوى.
كما شهدت الدقائق الأولى اضطراباً في شبكات الاتصالات نتيجة الضغط الهائل وتضرر بعض الأبراج ، مما صعّب عمليات التواصل في الساعات الأولى للكارثة.
التفسير العلمي.. كيف وقع الزلزال؟
يقع العراق جيولوجياً على الحافة الشمالية للصفيحة العربية ، التي تتحرك ببطء نحو الشمال والشمال الشرقي لتصطدم باستمرار بالصفيحة الأوراسية.
هذا التصادم المستمر منذ ملايين السنين هو المسؤول الرئيس عن تشكّل سلسلة جبال زاغروس ، والمصدر الأساسي للنشاط الزلزالي في المنطقة.
ووفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، وقع مركز الزلزال على بُعد 32 كيلومتراً جنوب غربي مدينة حلبجة، وعلى عمق تراوح بين 11 و19 كيلومتراً. وأظهرت التحليلات أن الزلزال نجم عن حركة انزلاقية على صدع مائل يُعرف بـ (Oblique-Thrust Fault)، وهو من أكثر الصدوع قدرة على إطلاق طاقة زلزالية هائلة.
وكشفت الدراسات اللاحقة عن وجود ما يُسمى بـ"الصدع الخفي" (Blind Fault)؛ وهو صدع غير ظاهر على سطح الأرض يمتد لنحو 125 كيلومتراً عبر المنطقة الحدودية، ويُعرف بـ "صدع خانقين". وقد تسبب الانزلاق على هذا الصدع في تحريك الكتل الأرضية نحو نصف متر باتجاه الغرب، بينما ارتفعت بعض المناطق الجبلية قرابة 90 سنتيمتراً؛ نتيجة تفريغ مفاجئ لضغوط تكتونية تراكمت لعقود.
لماذا كانت إيران الأكثر تضرراً؟
على الرغم من قرب مركز الزلزال من مدينة حلبجة العراقية ، فإن الجزء الأكبر من الدمار والخسائر البشرية وقع داخل الأراضي الإيرانية ، لا سيما في مدينة سربل ذهاب ومحافظة كرمانشاه.
ويُعزى ذلك إلى ظاهرة "تأثير توجيه الموجات الزلزالية" (Directionality Effect) ، حيث اتجهت الجبهة الرئيسة للطاقة نحو الجنوب والجنوب الشرقي، مما أدى إلى تركّز القوة التدميرية داخل الجانب الإيراني. كما ساهمت طبيعة التربة الرخوة في بعض المناطق، ووجود مجمعات سكنية لم تُصمم لمقاومة زلازل بهذا الحجم، في مضاعفة حجم الأضرار والانهيارات مقارنة بالمناطق العراقية المجاورة.
الأضرار في الجانب العراقي
على الرغم من تجنب العراق سيناريو أكثر كارثية ، بفضل اتجاه انتشار الموجات الزلزالية وطبيعة التربة الصخرية في أجزاء واسعة من إقليم كردستان، إلا أن المحافظات الأقرب إلى مركز الزلزال، وفي مقدمتها السليمانية وديالى، تعرضت لأضرار ملموسة كشفت عن حجم التأثير الذي خلفته الهزة الأرضية.
الخسائر البشرية وحالة الهلع
أسفر الزلزال في العراق عن وفاة 10 أشخاص ، معظمهم نتيجة انهيار أجزاء من المباني أو سقوط الأسقف والأنقاض ، بينما توفي آخرون إثر أزمات قلبية ناجمة عن شدة الصدمة والخوف.
كما أصيب أكثر من 535 شخصاً بجروح متفاوتة استدعت نقلهم إلى المستشفيات والمراكز الصحية في السليمانية ودربندخان وخانقين، حيث أعلنت المؤسسات الطبية حالة الاستنفار القصوى للتعامل مع أعداد المصابين. وقد واصلت الفرق الطبية مهامها رغم انقطاع التيار الكهربائي في الساعات الأولى عقب الزلزال، معتمدةً على المولدات الطارئة لضمان استمرار عمليات الإسعاف والعلاج.
وفي الوقت نفسه، سادت حالة من الهلع الجماعي المدن والبلدات القريبة من مركز الهزة، إذ أمضت آلاف العائلات ساعات طويلة في الشوارع والساحات المفتوحة خشية وقوع هزات ارتدادية أو انهيار المباني، في مشهد عكس حجم الرعب الذي خلّفه أقوى زلزال شهدته المنطقة منذ عقود.
لم تقتصر آثار الزلزال على الخسائر البشرية فحسب، بل امتدت لتلحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية والمنشآت الحيوية، لا سيما في المناطق القريبة من مركز الهزة، حيث تعرضت المباني وشبكات الخدمات والمرافق العامة لأضرار متفاوتة، بينما شكّلت سلامة سد "دربندخان" تحدياً بالغ الحساسية للسلطات العراقية.
دربندخان.. المنطقة الأكثر تضرراً
كان قضاء دربندخان الأكثر تأثراً بالزلزال على الجانب العراقي؛ إذ تعرضت عشرات المنازل السكنية، القديمة منها والحديثة، لتصدعات وانهيارات جزئية، كما تضررت واجهات العديد من المباني التجارية بفعل شدة الاهتزازات. وتسببت الهزة في سقوط عدد من أعمدة نقل الطاقة الكهربائية وقطع الأسلاك الرئيسة، مما أدى إلى خروج شبكة الكهرباء عن الخدمة كلياً لعدة أيام، وهو ما ضاعف معاناة السكان وأعاق جهود فرق الإنقاذ والإغاثة في الساعات الأولى التي تلت الكارثة.
سد دربندخان.. اختبار لمنشأة استراتيجية
مثّل سد دربندخان ، بوصفه أحد أهم المنشآت المائية في العراق ، محور القلق الأكبر عقب الزلزال نظراً لدوره الاستراتيجي في إدارة الموارد المائية وحماية المناطق المحيطة. وقد أدت الهزة إلى حدوث انزلاقات صخرية كبيرة على المنحدرات الجبلية المحيطة، سقط بعضها باتجاه المفيض المائي، كما رُصدت تشققات واضحة في الجزء العلوي من جسم السد، وتحديداً في اللب الطيني، مما استدعى تحركاً عاجلاً من وزارة الموارد المائية. وعلى إثر ذلك، استعانت الحكومة بخبراء دوليين لإجراء تقييم شامل لسلامة الهيكل الإنشائي، بالتزامن مع اتخاذ إجراءات احترازية شملت خفض منسوب المياه لتقليل الضغط على السد. وقد أكدت الفحوصات الهندسية لاحقاً أن السد احتفظ بسلامته الإنشائية ولم يكن مهدداً بالانهيار، رغم الأضرار التي لحقت ببعض أجزائه.
أضرار طالت المدارس والمنشآت الخدمية
امتدت تداعيات الزلزال إلى القطاعين التعليمي والخدمي؛ إذ أعلنت منظمة "اليونيسف" أن الهزة ألحقت أضراراً متفاوتة بنحو 108 مدارس ومؤسسات تعليمية في محافظتي السليمانية وديالى، وتعرضت ست مدارس لدمار كامل جعلها غير صالحة لاستقبال الطلبة، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بمستشفى دربندخان العام.
الاستجابة الإنسانية والإغاثية
مع الدقائق الأولى التي أعقبت الزلزال، باشرت فرق الهلال الأحمر العراقي، بالتنسيق مع مديرية الدفاع المدني والجهات الصحية، عمليات الإنقاذ والإغاثة في المناطق المنكوبة. وتركزت الجهود على إجلاء المصابين، وتقديم الإسعافات الأولية، وتأمين الاحتياجات الأساسية للأسر التي اضطرت لمغادرة منازلها المتصدعة خشية الهزات الارتدادية.
كما أُقيمت مخيمات مؤقتة لإيواء المتضررين، وجرى توزيع الخيام والبطانيات والمواد الغذائية ومياه الشرب، لمساعدة آلاف العائلات التي واجهت ظروفاً إنسانية قاسية، إذ اضطرت لقضاء لياليها في العراء وسط أجواء خريفية باردة.
وعلى المستوى الدولي، حظيت المناطق المتضررة باستجابة سريعة؛ إذ سارعت دول ومنظمات إغاثية عديدة إلى تقديم الدعم، وكانت تركيا في طليعتها؛ حيث أرسلت عبر الهلال الأحمر التركي وإدارة الكوارث والطوارئ (AFAD) طائرات وشاحنات محملة بآلاف الأطنان من المساعدات الإنسانية والطبية والخيام. كما أُنشئت مطابخ ميدانية لتوفير آلاف الوجبات الساخنة يومياً للمتضررين، مع استمرار عمليات الدعم اللوجستي والإغاثي حتى استقرار الأوضاع في المناطق المنكوبة.
الدروس المستفادة : تحذير للمستقبل
لم يكن زلزال عام 2017 مجرد كارثة طبيعية، بل شكّل نقطة تحول في فهم المخاطر الزلزالية التي تواجه العراق؛ إذ أثبتت الكارثة -لأول مرة منذ عقود- أن المدن العراقية ليست بمنأى عن الهزات الأرضية القوية، وأن احتمال وقوع زلزال مدمر مستقبلاً يظل قائماً، مما يستدعي استعداداً أكبر على المستويين الهندسي والإداري.
أعادت هذه الكارثة فتح ملف معايير البناء والسلامة الإنشائية، ودفعت المؤسسات العلمية والجيولوجية إلى إعادة تقييم الخرائط الزلزالية ومناطق الخطورة في البلاد، مع التأكيد على ضرورة تحديث خطط الطوارئ وتعزيز جاهزية فرق الاستجابة السريعة.
في ختام الدراسات والمؤتمرات العلمية التي تلت الزلزال، أجمع الخبراء على توصيات استراتيجية للحد من مخاطر الكوارث الزلزالية وتعزيز جاهزية العراق لمواجهة أي هزات مستقبلية، تمثلت في الآتي:
تحديث الكود الإنشائي العراقي:
اعتماد معايير هندسية صارمة تُلزم مشاريع البناء الحديثة، لا سيما الأبراج السكنية والمجمعات الاستثمارية، بتطبيق اشتراطات مقاومة الزلازل وفقاً لأحدث المعايير العالمية.
تعزيز مراقبة السدود الاستراتيجية:
تزويد السدود الرئيسية، كالموصل ودربندخان ودوكان، بمنظومات رصد رقمية متطورة تعمل على مدار الساعة؛ للكشف الفوري عن أي حركة أرضية أو تشوهات إنشائية، بما يتيح اتخاذ الإجراءات الوقائية في الوقت المناسب.
ترسيخ الوعي المجتمعي:
إدراج برامج التوعية والتدريب على إجراءات السلامة ضمن المناهج التعليمية وخطط المؤسسات الحكومية، وإجراء تدريبات دورية للإخلاء ؛ للحد من حالات الذعر التي قد تسبب خسائر تتجاوز أضرار الهزة الأرضية المباشرة.
ورغم مرور سنوات على الكارثة ، يظل زلزال عام 2017 المحطة الزلزالية الأبرز في التاريخ العراقي الحديث؛ فقد شكّل نقطة تحول في إدراك المخاطر الجيولوجية، ورسالة بأن ما يبدو مستقراً على السطح يخفي في أعماقه قوى تكتونية هائلة. ومن هنا، تظل الاستعدادات العلمية والهندسية، جنباً إلى جنب مع الوعي المجتمعي، خط الدفاع الأول لمواجهة أي زلازل قد يشهدها العراق مستقبلاً.
